أنا .. القائد

كلما تسلق القائد منا سلم القيادة، أصبح عرضة بصورة أكبر للوقوع في فخ “الأنا”، ومتى ما حدث ذلك فإن أعمال المنظمة ونشاطاتها تكون على خطر ونجاحاتها السابقة مهددة بالفشل، وقد ينجم عن ذلك انخفاض معنويات الموظفين، وغياب الحوافز، وتزايد الإستقالات والتعيينات التابعة لها. ولعل السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو كيف يمكن للقائد أن يتجنب التدمير الذاتي وتدمير المنظمة بواسطة سلوكه المغرق بــ”الأنا” والمحافظة في الوقت نفسه على ذكائه الوجداني؟

 

وواقع الأمر هو أن “الأنا” قد تكون مفيدة بعض الشيء في تسلق السلم الوظيفي في البداية، والأنا المحمودة هنا تتمثل في الثقة في النفس، وقوة الإقناع بينما “الأنا”المقصودة والمذمومة ستكون عائقاً كبيراً إذا لم يتم احتوائها والتعامل معها، وستقوض كل النجاحات السابقة، ولكن ولطبيعة القيادة فإن المرء منا معرض لظهور “الأنا” بسبب تحمل عبء القوة والسلطة المرادف للقيادة أو نتيجة لعوامل الشد والجذب بين القائد والأتباع، ونعيد السؤال هنا: كيف يمكن للقائد أن يتجنب المزالق المعروفة للأنا والتي أدت إلى أن يفقد الكثير من القادة مناصبهم بسببها؟

وسنستعرض بإيجاز أكثر المزالق شيوعاً وطرق التعرف عليها مما يمكنك من التعامل معها.

مزلق “الأنا” الأول: تجاهل القائد للتعليقات والنصائح التي لا تعجبه.

إن الناس الذين عمل معهم القائد خلال ارتقائه للسلم الوظيفي وبنائه جسوراً من الثقة المتبادلة والتواصل البناء معهم هم الناس أنفسهم الذي يمكنهم أن يمدونه بالنصائح الصادقة والصريحة حول أدائه كقائد، والقائد – في المقابل – يمكنه اعتبار غياب النصائح (بسبب استغراقه في “الأنا”) كمؤشر على أنه يبلي بلاء حسناً كقائد لهم ومن ثم يستمر فيما هو فيه وبلا مراعاة لتطوير نفسه أو مراقبة أدائه، أو يمكنه أن يتجاهل ما يقال له ببساطة محدثاً نفسه بأنه لو كان بهذا السوء فلماذا لا يزالون يعملون معي.

مزلق “الأنا” الثاني: الإعتقاد أن المهارات الفنية أهم من المهارات القيادية.

تعتقد نسبة لا بأس بها من القادة أن المهارات الفنية والتي ساهمت بشكل مباشر في ترقي السلم الوظيفي كافية بحد ذاتها لتسنم القيادة وعدم تجشم عناء التعامل والتواصل مع الأتباع، وتجد هذا النوع من القادة يرمي بنفسه مباشرة في أي موضوع فني مستعرضاً مهاراته فيه ومكبتاً لأتباعه وحارماً إياهم من فرصة التعلم والتطوير تحت إشرافه وقيادته.

ومن المهم جداً أن يدرك القائد وبشكل واضح لا لبس فيه أن المهارات الفنية قد تكون مهمة في طريق الوصول الى المناصب القيادية ولكن أهميتها تتراجع وبشكل كبير عند توليها.

مزلق “الأنا” الثالث: أن يتخذ القائد بطانة تشبهه.

تتخذ بطانة (وأعني هنا المساعدين والنواب) تشبهك في اتخاذ القرارات وطرق التواصل بل وحتى في طرق التفكير، فالقرارات سريعة ومتسرعة، ولا مجال لطرح مختلف أو تفكير مغاير لما هو سائد. ويذكر عن ابراهام لنكولن الرئيس الأمريكي الأشهر أنه اختار في مجلس وزرائه وزراء أكفاء من الحزب المنافس رغبة في التنوع والإفادة من الكفاءات.

مزلق “الأنا” الرابع: الإصرار على الإحتفاظ بخيوط اللعبة.

كثير من القادة لا يمكنهم التخلص من التدخل في حيثيات العمل كبيرة كانت أم صغيرة، رغبة منهم في الإحساس بأن الأمور تسير على ما يرام وإن ادعى هؤلاء القادة خلاف ذلك من التفويض واللامركزية الخ…، والخطر هنا أن تركيز القائد على الداخل وشؤون العمليات وتفاصيلها سيقلل حتماً من قدرته على النظر للخارج ومتابعة ما يحدث في العالم الخارجي.

مزلق “الأنا” الخامس: العمى أو التعامي عن تبعات أفعالك.

يحدث أحياناً أن يكلف القائد أحد الأتباع بأداء مهمة ما على الرغم من أنها لا تدخل ضمن مهام عمله، ولكن القائد كلفه بها لعلمه بأنه سينجزها على أكمل وجه، وفي مثل هذه الحالات لا يتوقع القائد أن يرفض الموظف المهمة أو أن يناقشة في مدى إمكانية  تنفيذها من عدمه وفي الوقت المحدد أم لا. هذه الحالات خطرة وذات أثر سيئ، إذ تزعزع من الترتيبات الإدارية، وتعطي الموظفين الإحساس الزائف بالأهمية، وتزيد من انتفاخ الذات.

مزلق “الأنا” السادس: فقدان التواصل مع الموظفين في الخطوط الأمامية.

مع مرور الوقت يميل بعض القادة إلى الإنكفاء في مكاتبهم، والإجتماع في أماكن معروفة ومحددة، بل قد يصل الحال إلى أنه يهجر بعض الأماكن في المنظمة ولا يزورها إطلاقاً، مفوتاً بذلك الفرصة للتواصل مع الموظفين وتلمس همومهم عن قرب.

تلك كانت بعض مزالق “الأنا” التي قد يقع فيها الكثير من القادة من حيث يشعرون أو لا يشعرون، وأنت معرض كقائد لكثير من العوامل الخارجية والتي تقع خارج نطاق سيطرتك، ولا يمكنك أبداً منع حدوثها أو تغيير مسارها، ولكنك تملك كامل السيطرة على سلوكك وذكائك الوجداني، ومن ثم كيفية السيطرة على “الأنا”، ومن الواجب أن تكون بوصلة القائد الذاتية على قدر كبير من الحساسية حتى تلتقط مؤشرات المزالق بسرعة كبيرة وتعمل على علاجها بصورة سريعة وجذرية، وكذلك يجب أن تكون مرآة القائد (الثقات من حوله) مصقولة جدًّا تنبهه عند الغفلة من خطر الوقوع في المزالق.

وأعتقد اعتقاداً جازماً أن “الأنا” في المقابل لا تظهر عند القائد إلا في مقام التحدي والدفاع عن الفريق، ألم تر القائد الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم كيف فعل في غزوة حنين عندما هُزم المسلمون في الجولة الأولى من المعركة وفروا إثر الكمين الذي أعده له أعداءهم، وقف وما في الموت شك لواقف وحوله حفنة من الصحابة، ونادى بأعلى صوته وأمر عمه العباس رضي الله عنه أن ينادي: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبدالمطلب.

ببساطة… الأنا والقيادة أمران لا يلتقيان.

شارك الموضوع :   |  

التعليقات : (0)

اضف تعليقك أدناه :

(بريدك الالكتروني لن يتم عرضه مطلقا.)


Captcha Code