الشخصية

لم يبدأ الإهتمام بصورة جدية بمفهوم ثقافة المنظمة إلاّ في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، وهذا المفهوم يعتبر من الحالات النادرة التي يقود فيها الأكاديميون والباحثون المدراء والرؤساء التنفيذيين إلى التعرف على عامل مهم ومؤثر على أداء المنظمة بشكل عام، هذا العامل كان غائباً حتى ذلك الوقت عن أذهان وممارسات المنظمات، والغريب أن العادة جرت على خلاف ذلك، فالممارسة غالباً تقود البحث، ويكون دور الباحثين والأكاديميين هو توثيق الممارسات وشرحها واستخلاص النظريات منها ودعمها بالأمثلة ومن ثم تعميمها ونشرها.

والسر في تجاهل ثقافة المنظمة كعنصر مهم في أداء المنظمات هو لصعوبة اكتشافها في معظم الأوقات، إذ أن هذه الثقافة تحتوي على خليط من الأمور التي يؤخذ الكثير منها كأمور مسلّم بها أو أمور يصعب تعريفها أو التعرف عليها بشكل واضح وقاطع، فهي تبدأ من جواب السؤال: كيف تسير الأمور في هذه المنظمة؟ وهو كما ترى سؤال عام يحتمل أجوبة كثيرة وغير محددة بل وفي بعض الأحيان قد تكون مبهمة، والأمثلة على بعض هذه الأجوبة كثيرة منها: قيم المنظمة أو الذاكرة الجماعية للمنظمة، أو الإحساس بالإنتماء أو الأوامر الشفهية (أو العرفية) حول كيفية التعايش داخل المنظمة.thCF3NRNKH

ولعل أشمل تعريف لثقافة المنظمة هو أن نقول أنهاشخصية المنظمة بكل ما تحويه من قيم وعادات وافتراضات ومعتقدات وأعراف، تنعكس على أسلوب القيادة في المنظمة، واللغة الدارجة فيها، والرموز المستخدمة، واللوائح والنظم، بالإضافة إلى معرّفات النجاح في أدبيات هذه المنظمة، وأخيراً على سلوك العاملين فيها.

وبناءاً على هذا يمكننا أن نضع إطاراً عاماً لثقافة المنظمة يقوم على:

  • القيم المشتركة
  • وجود قدوات حية تترجم هذه القيم على أرض الواقع بشكل مستمر مما يؤدي إلى أن يقلدها العاملون في المنظمة وكلما كانت هذه القدوات في مراكز قيادية كان التقليد أسرع وأكبر خصوصاً في عالمنا العربي
  • وجود أنظمة وأعراف ثابتة ومستقرة تضمن الديمومة لثقافة المنظمة
  • شبكة التواصل غير الرسمية، وأعني بها هنا الهمس والشائعات والأحاديث غير الرسمية ورسائل الواتس آب وأحاديث اللوواوين والديوانيات والدهاليز… كل هذه تشكل قنوات التواصل غير الرسمية والفاعلة في نقل الرسائل من الأعلى للأسفل وبالعكس، ولا بد من استثمارها بشكل جيد وإيجابي وفي مصلحة المنظمة.

وشخصية المنظمة شخصية حية تنمو وتكبر وتشيخ وتهرم، وتصح وتمرض، وتمدد وتنكمش، وتَغلِب وتُغلُب، متأثرة بذلك بعواملها الداخلية وبالعوامل الخارجية.

ووجود ثقافة عامة للمنظمة لا يعني غياب ثقافات خاصة بالقطاعات والأقسام المنضوية تحتها، فمن الوارد مثلاً أن يكون لقسم الموارد البشرية في منظمة ما ثقافة تختلف بعض الشيء عن قسم التسويق أو المحاسبة. والخطورة الكامنة هنا أن تكبر هذه الإختلافات وتتجذر حتى يصبح لكل قسم ثقافته الخاصة به، فتزداد فرصة التصادم بين الأقسام والإدارات فتقل الكفاءة والإنتاجية وتضيع الفرص.

وللأسف لا يدرك الواحد منا عادة ثقافة المنظمة التي يعمل فيها إلاّ في حالتين؛ الأولى عندما توضع هذه الثقافة على المحك كأن يحدث أمر على قدر كبير من الأهمية للمنظمة كتغيير مفاجئ لملكيتها أو تغير الإدارة التنفيذية والثانية عند الإنتقال إلى منظمة أخرى واختبار الفرق بين الثقافتين.  ولعل سائل يسأل… لماذا الحديث عن شخصية المنظمة؟ وما الفائدة المرجوة من ورائه؟ الجواب على هذين السؤالين يكمن في أمرين مرتبطين ارتباطاً شديداً بشخصية المنظمة وهما القيادة والتغيير.

فالقيادة أو القائد على وجه التحديد يشكل عنصراً أساسياً من شخصية أي منظمة يسهم في تشكيلها وتحديد معالمها، ولكنه بالتأكيد ليس العنصر الأعظم أو العنصر الوحيد، وفي المقابل من المهم أن نلاحظ أن أهمية دور القائد وتأثيره على شخصية المنظمة تتعاظم وتتضاعف عندما تكون شخصية المنظمة في خطر، فلا غنى للمنظمة حينذاك عن قائدها (أو قادتها) المغوار الهمام الذي يهب لنجدتها، أما عن التغيير؛ فإذا كانت شخصية المنظمة سهلة ومطواعة فيمكنها أن تتجاوب بسهولة مع متطلبات السوق ومتغيراته وتواكب التحديات وتقبل المنافسة، أم إن كانت جامدة ومعاندة، فعندها ستكون قدرتها على إدراك ما يدور حولها ضعيفة ولا تستطيع أن تتفاعل مع المتغيرات بسرعة كافية مما قد يؤدي إلى خسارتها أو خروجها من المنافسة بل وفي بعض الأحيان إفلاسها أو بيعها.

وأخيراً حتى يتضح مفهوم شخصية المنظمة بشكل أكبر، حاول أن تتذكر عزيزي القاريء شخصين عملت معهما، أحدهما تتمنى لو تعمل معه دوماً، والآخر تتمنى أن لا تراه في حياتك، ثم حاول أن تصف شخصيتهما، ومتى ما وفقت في ذلك فاسرح بفكرك إلى أفضل مكان عمل عملت فيه أو سمعت به وإلى أسوء مكان عمل عملت به أو سمعت به وحاول أن تصفهما، وبعد ذلك اقرأ هذه المقالة مرة أخرى فلعلي أكون قد وفقت بعض الشي في تسليط الضوء على شخصية المنظمة.

شارك الموضوع :   |  

التعليقات : (0)

اضف تعليقك أدناه :

(بريدك الالكتروني لن يتم عرضه مطلقا.)


Captcha Code