كرة القدم… صناعة!

من وحي بطولة كأس العالم القادمة…

تابعت كرة القدم بشغف منذ نعومة أظفاري، وكنت أعتقد – ولا أزال – أن كرة القدم هي أفضل وسيلة ترفيهية اخترعها الإنسان، وعشت كطفل ومراهق أسمع وأتابع وأتداول أسماء اللاعبين المحليين المشهورين وأسماء الفرق الفائزة ولم تكن الكرة تعدو أكثر من ذلك… ترفيه وقتل أوقات الفراغ ليس إلا.

ولكن،،،

في أوائل الثمانينات من القرن الماضي (تبدو وكأنها من الماضي السحيق!) نقل التلفاز بعض مباريات قبل النهائي والنهائي لكأس رابطة المحترفين الإنجليزية، وكان اللاعبان الأرجنتينيان (أرديليس وفيلا) يلعبان آنذاك في صفوف فريق نادي توتنهام اللندني العريق، فتعلقت بالفريق وباللاعبين، وقادني دلك إلى متابعة أخبار النادي، ووجدت أن ما ينشر في الصحف المحلية والمجلات الرياضية لا يشفي غليلي، واضطررت إلى قراءة الأخبار من مصادرها الأصلية كلما وجدت إلى ذلك سبيلا، فكنت أشتري من مصروفي بشكل شبه أسبوعي مجلة تصدر في بريطانيا اسمها شووت Shoot، وتابعت ما يقوله المعلقون الإنجليز في تعليقهم على مباريات الدوري الإنجليزي (وتعليقهم لا علاقة له البتة بتعليق المعلقين العرب المليء بالصراخ والنواح والمعلومات الضحلة والمضللة وعدم احترام الذات والمشاهدين على حد سواء) وأصبحت متابعاً نهماً لمتابعة أخبار الرياضة، وكل هذا قادني إلى إدراك حقيقة مختلفة تماماً…

كرة القدم في بريطانيا على وجه الخصوص وأوروبا وأمريكا اللاتينية على وجه العموم هي جزء لا يتجزء من ثقافة وحضارة المجتمع، تلتقي فيها آمال الناس البسطاء وأحلامهم مع تواريخ القرى الصغيرة والمدن، وانتقلت إلى ملعب كرة القدم الخلافات التقليدية بين القرى والمدن والطبقات الإجتماعية وفئات المجتمع، وفي الفترة ما بين الحربين العالميتين وما تلاهما كانت كرة القدم حديث وطموح وأحلام الإنسان البسيط وعمال المصانع يجدون فيها أنفسهم وينسون معاناتهم اليومية. فالأمر ليس ترفيه! أو بعبارة أدق، الأمر ليس ترفيها فقط بل هو جزء من الحياة اليومية ورمزية تتجاوز ذلك بكثير.

ثم جاءت النقلة الكبرى في أوائل التسعينات من القرن الماضي في تحول الأندية إلى مشاريع تجارية ضخمة تدر الملايين تداخلت فيها الملكيات الفردية بالملكيات العامة وملكيات الشركات، وأصبحت صفقات انتقالات اللاعبين و مداخيل النقل التلفزيوني (والتي تجاوزت لوحدها الثلاثة بلايين جنيه إسترليني) والإعلانات والحركة الإقتصادية النشطة المحيطة بالرياضة أصبحت مصدرا مهما من مصادر الدخل القومي للدول، ناهيك عن الألوف المؤلفة التي تعمل في هذه الأندية وكل الأنشطة المصاحبة لها.

كل هذا بدوره أدى إلى تغييرات محورية وجوهرية في أدوار المدربين، إذ أصبح المدرب أقرب إلى أن يكون الرئيس التنفيذي للشركة (النادي)، فالأمر ليس مقتصراً على اختيار اللاعبين وتدريبهم ، واختيار التشكيلة وخطة اللعب وتغيير اللاعبين أثناء المباراة، بل هو إدارة شركة بكل ما يقتضيه ذلك من وضع خطط واستراتيجيات للنمو والإستمرار بالتوافق مع مجلس الإدارة، ووضع خطط تشغيلية وضبط الحالة المالية وتحفيز الموظفين بالتعاون مع رئيس مجلس الإدارة الخ… فأصبح من المهم أن يكون المدرب قائداً بكل معنى الكلمة. فالأمر ليس ترفيه فقط بل مال و أعمال واقتصاد قومي.

صناعة كرة القدم أمر تم على مدى قرن ونصف. فلا عجب أن ينظر إليها في عالمنا أنها لهو و ترفيه و… أمن قومي!

شارك الموضوع :   |  

التعليقات : (0)

اضف تعليقك أدناه :

(بريدك الالكتروني لن يتم عرضه مطلقا.)


Captcha Code